فخر الدين الرازي
111
تفسير الرازي
مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة ، وذلك لأن اللفظ عام والروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على الأيمان الكاذبة ، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاماً في حق كل من يفعل هذا الفعل وأنه غير مخصوص باليهود . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفت الروايات في سبب النزول ، فمنهم من خصها باليهود الذين شرح الله أحوالهم في الآيات المتقدمة ، ومنهم من خصها بغيرهم . أما الأول ففيه وجهان الأول : قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود ، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا ، واحتج هؤلاء بقوله تعالى في سورة البقرة * ( وأوفوا بعهدي أوف بعدكم ) * ( البقرة : 40 ) الثاني : أنها نزلت في ادعائهم أنه * ( ليس علينا في الأميين سبيل ) * ( آل عمران : 75 ) كتبوا بأيديهم كتاباً في ذلك وحلفوا أنه من عند الله وهو قول الحسن . وأما الاحتمال الثاني : ففيه وجوه الأول : أنها نزلت في الأشعث بن قيس ، وخصم له في أرض ، اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال للرجل : " أقم بيِّنَتَك " فقال الرجل : ليس لي بينة فقال للأشعث " فعليك اليمين " فهم الأشعث باليمين فأنزل الله تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد الأرض إلى الخصم واعترف بالحق ، وهو قول ابن جريج الثاني : قال مجاهد : نزلت في رجل حلف يميناً فاجرة في تنفيق سلعته الثالث : نزلت في عبدان وامرئ القيس اختصما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أرض ، فتوجه اليمين على امرئ القيس ، فقال : أنظرني إلى الغد ، ثم جاء من الغد وأقر له بالأرض ، والأقرب الحمل على الكل . فقوله : * ( إن الذين يشترون بعهد الله ) * يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه ما نصب عليه الأدلة ويدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول ، ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه ، لأن كل ذلك من عهد الله الذي يلزم الوفاء به . قال تعالى : * ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ) * ( التوبة : 75 ) الآية وقال : * ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً ) * ( الإسراء : 34 ) وقال : * ( يوفون بالنذر ) * ( الإنسان : 7 ) وقال : * ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) * ( الأحزاب : 23 ) وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الشراء ، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئاً ويعطي شيئاً فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر ، وأما الأيمان فحالها معلوم وهي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد ، أو وعيد ، أو إنكار ، أو إثبات . ثم قال تعالى : * ( أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة